امل مامكغ
01-14-2010, 05:53 PM
رجاء افتحوا النوافذ
بقلم جميل حمد – الرأي – زاوية ابواب – الثلاثاء 5-1-2010
الجمعة الماضية كنت في وداع فتى يافع ممتلىء عنفواناً اسمه كمال
وما اقساها من نهايات ان نصطحب الابناء الى المقبرة كي نعانقهم ونودعهم ، ونعود الى بيوتها محاصرين بالوجع والفراغ من الجهات الخمس
عاد كمال من مناوبته في طواريء مستشفى البشير واستلقى قليلاً طلباً لاغفاءة بعد يوم عمل شاق ، بعد ان أحكم إغلاق النوافذ وأشعل المدفأة ، ولم يكن يعلم بأنه قد هيأ كل الظروف للقاتل (الصامت) ليترصده في داخل غرفته .
أمضيت يومين وأنا اسأل وأبحث عن قاتل كمال فجاءت الحقائق الصادمة بأنه العدو الأول للانسان في فصل الشتاء ، ويسمى بالصامت لان لا لون له أو طعم أو رائحة ، وقبل ان تدرك أو تعي أنه يشاركك انفاسك في الغرفة يكون هو قد تسلل بأبخرته السامة الى رئتيك .
هو اول اكسيد الكربون (co) ويحضر حين تطلب الدفء من لهب المدفأة ، فيمنحك الاحساس بالنشوة وما يشبه لذة الكرى (النعاس) ورويداً رويدا ..
يقاسمك الغرفة ويفرض حضوره الطاغي كلما طال الوقت ، دون أن تراه ، وبسبب استمرار عملية الاحتراق غير التامة للكربون ، فان هموجلوبين الدم يتشبع به ، وتمتصه الخلايا الحمراء ، فيأخذك في رحلة الى الغياب ، وكيف لك ان تفلت من مكائده ، وانت لا تراه ، فقد ارغم شريكه الاوكسجين على الرحيل ليبقى هو وحيداً بصحبتك ويعلن انتصاره على الحياة .
أعراضه كثيرة ، ومنها الارهاق والصداع والارتباك والرغبة في النوم ، وهذه كلها أدمنها المواطن العربي ، وبالكاد يميزها في لحظة قاتلة ، عن غيرها من لحظات التعب اليومي الروتيني ، حين ترافق الزائر الصامت .
يصول ويجول شتاءً ، ورغم كل جبروته وسطوته ، وتسببه في حالات كثيرة من الموت ، الا انه اضعف انواع الاختناقات ولا يقارن بغيره من الاختناقات الاقتصادية أو السياسية .. ونهزمه بالتهوية الجيدة .
فرجاء .. افتحوا النوافذ فما زال في العمر متسع لتعمروا ارض الله .
بقلم جميل حمد – الرأي – زاوية ابواب – الثلاثاء 5-1-2010
الجمعة الماضية كنت في وداع فتى يافع ممتلىء عنفواناً اسمه كمال
وما اقساها من نهايات ان نصطحب الابناء الى المقبرة كي نعانقهم ونودعهم ، ونعود الى بيوتها محاصرين بالوجع والفراغ من الجهات الخمس
عاد كمال من مناوبته في طواريء مستشفى البشير واستلقى قليلاً طلباً لاغفاءة بعد يوم عمل شاق ، بعد ان أحكم إغلاق النوافذ وأشعل المدفأة ، ولم يكن يعلم بأنه قد هيأ كل الظروف للقاتل (الصامت) ليترصده في داخل غرفته .
أمضيت يومين وأنا اسأل وأبحث عن قاتل كمال فجاءت الحقائق الصادمة بأنه العدو الأول للانسان في فصل الشتاء ، ويسمى بالصامت لان لا لون له أو طعم أو رائحة ، وقبل ان تدرك أو تعي أنه يشاركك انفاسك في الغرفة يكون هو قد تسلل بأبخرته السامة الى رئتيك .
هو اول اكسيد الكربون (co) ويحضر حين تطلب الدفء من لهب المدفأة ، فيمنحك الاحساس بالنشوة وما يشبه لذة الكرى (النعاس) ورويداً رويدا ..
يقاسمك الغرفة ويفرض حضوره الطاغي كلما طال الوقت ، دون أن تراه ، وبسبب استمرار عملية الاحتراق غير التامة للكربون ، فان هموجلوبين الدم يتشبع به ، وتمتصه الخلايا الحمراء ، فيأخذك في رحلة الى الغياب ، وكيف لك ان تفلت من مكائده ، وانت لا تراه ، فقد ارغم شريكه الاوكسجين على الرحيل ليبقى هو وحيداً بصحبتك ويعلن انتصاره على الحياة .
أعراضه كثيرة ، ومنها الارهاق والصداع والارتباك والرغبة في النوم ، وهذه كلها أدمنها المواطن العربي ، وبالكاد يميزها في لحظة قاتلة ، عن غيرها من لحظات التعب اليومي الروتيني ، حين ترافق الزائر الصامت .
يصول ويجول شتاءً ، ورغم كل جبروته وسطوته ، وتسببه في حالات كثيرة من الموت ، الا انه اضعف انواع الاختناقات ولا يقارن بغيره من الاختناقات الاقتصادية أو السياسية .. ونهزمه بالتهوية الجيدة .
فرجاء .. افتحوا النوافذ فما زال في العمر متسع لتعمروا ارض الله .